سوء استغلال طبيعة المعاملات التجارية

تقوم التعاملات التجارية كما هو معروف على الثقة والسرعة التي تميزها عن غيرها من التعاملات الأخرى التي يتطلب انجازها العديد من المستندات والإجراءات المطولة بعكس التعاملات التجارية. هذه الطبيعة الفريدة للتعاملات التجارية أغرت بعض الدخلاء على التجارة – ممن لا يتورعون عن فعل أي شيء من أجل الكسب المادي السريع غير مبالين بمشروعية ذلك الكسب – باستغلال هذه الطبيعة بشكل سيئ جداً. فاحدهم قد يقوم مثلاً بتقديم طلب شراء بضاعة على الحساب ثم عندما يطالبه البائع بالثمن يقدم العديد من الحجج للتهرب من الدفع فقد ينفى علمه بالموضوع جملة وتفصيلاً وينكر أنه قد طلب البضاعة أو قد يحتج بأن التوقيع الموجود على طلب الشراء ليس توقيعه وأن الموظف الذي وقع طلب الشراء ليس مفوضاً بذلك.
لذا لا بد لأصحاب الأعمال من توخي الحذر في تعاملاتهم خصوصاً عندما يتعاملون مع عميل للمرة الأولى حتى لا يقعوا ضحية لمثل هؤلاء، علماً بأن توخي الحذر لا يعني بحال من الأحوال وضع العراقيل والتشدد في التعاملات بقدر ما يعني الأخذ بمبدأ الحيطة والحذر واتخاذ كل التدابير الوقائية اللازمة لحماية أموال التجار بالشكل الذي لا يعيق أو يعطل ممارستهم لأعمالهم.
ولتوضيح الفكرة نضرب هنا مثلاً منشأة تقدم خدمة معينة لعملائها فهي لكي تقدم الخدمة لعميل معين بعد الاتفاق المبدئي مع العميل تكتفي من باب الثقة بخطابات تعميد يرسلها العميل عن طريق الفاكس بإمضاء أحد العاملين لدى العميل وذلك من أجل الحرص على أن تكون الخدمة سريعة إرضاءاً للعميل.
تعامل كهذا يشوبه عدة محاذير قانونية. أولاً لابد أن يكون هناك عقد مبدئي مكتوب وموقع من الطرفين يحدد الإطار العام للتعامل بين الطرفين، ويجب على المنشأة التأكد من أن الشخص الذي وقع العقد والذي يمثل العميل في التعاقد له صلاحية إبرام العقود والتوقيع عليها مع الغير وحبذا لو تمت المصادقة على توقيعه من الغرفة التجارية. بعد ذلك يجب على المنشأة أن تتحقق عند استقبالها لخطابات التعميد بالفاكس أو بغيره من أن مرسل الخطابات هو شخص مخول بشكل رسمي من قبل العميل للقيام بمثل هذا التصرف والتوقيع نيابة عن العميل، لأنه إن لم يكن مخولاً فيمكن للعميل وبكل بساطة إنكار التعامل بالكامل على أساس أن توقيعه لم يكن على خطابات التعميد وأن الأشخاص الذين وقعوا على العقود وخطابات التعميد غير مخولين بذلك وبالتالي فهو غير ملزم بدفع أي مقابل لما قدمته المنشأة من خدمات له وإن كان هو المستفيد منها.
كذلك هو الحال بالنسبة للمنشآت اللاتي يمارسن نشاط تجارة الجملة بالخصوص، فلابد لها من التأكد من صفة المتعاملين معها من مقدم طلب الشراء إلى مستلم البضاعة، فقد يحدث أن ينكر العميل أو المدير المسؤول – لأي سبب- علمه بطلب الشراء إذا لم يكن موقعاً منه أو من شخص آخر مفوض رسمياً بالتوقيع على طلبات الشراء، أو قد ينكر استلام البضاعة إذا لم يكن المستلم مخولاً بالاستلام من قبل العميل.
وعند توقيع أي نوع من أنواع العقود أو الاتفاقيات فلا بد من التأكد من صفة ممثل الطرف الآخر ويفضل أن يكون اسمه مسجلاً بالسجل التجاري بالنسبة للمدراء أو أن يكون مفوضاً بالتوقيع على مثل هذا النوع من العقود بموجب خطاب رسمي على مطبوعات العميل ويستحسن أن يكون مصدقاً من الغرفة التجارية وذلك لضمان عدم إنكار الطرف الآخر للعقد أو التنصل من التزاماته لسبب أو آخر.
وأخيراً أود التأكيد على أن اتخاذ مثل هذه التدابير لا يجب أن يكون على حساب السرعة والثقة المتبادلة التي تقوم عليها التجارة بل هي تهدف إلى إقفال باب التلاعب في وجه القلة ممن همهم الكسب الكثير السريع دون خوف أو تورع عن أكل أموال الناس بالباطل.